محمد بن جرير الطبري

4

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا " . والخشية والخوف توجههما العرب إلى معنى الظن ، وتوجه هذه الحروف إلى معنى العلم بالشيء الذي يدرك من غير جهة الحس والعيان . وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته . وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : معنى قوله فَخَشِينا في هذا الموضع : كرهنا ، لأن الله لا يخشى . وقال في بعض القراءات : فخاف ربك ، قال : وهو مثل خفت الرجلين أن يعولا ، وهو لا يخاف من ذلك أكثر من أنه يكرهه لهما . وقوله : فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه جماعة من قراء المكيين والمدنيين والبصريين : " فأردنا أن يبدلهما ربهما " . وكان بعضهم يعتل لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشددا في عامة القرآن ، كقول الله عز وجل : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وقوله وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ فألحق قوله : " فأردنا أن يبدلهما به " وقرأ ذلك عامه قراء الكوفة : فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما بتخفيف الدال . وكان بعض من قرأ ذلك كذلك من أهل العربية يقول : أبدل يبدل بالتخفيف وبدل يبدل بالتشديد : بمعنى واحد . والصواب من القول في ذلك عندي : أنهما قراءتان متقاربتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء ، فبآيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقيل : إن الله عز وجل أبدل أبوي الغلام الذي قتله صاحب موسى منه بجارية . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، قال : ثنا المبارك بن سعيد ، قال : ثنا عمرو بن قيس في قوله : فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً قال : يلغني أنها جارية . حدثنا القاسم ، قال . ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج أخبرني سليمان بن أمية أنه سمع يعقوب بن عاصم يقول : أبدلا مكان الغلام جارية . قال : ابن جريج وأخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم ، أنه سمع سعيد بن جبير يقول : أبدلا مكانا لغلام جارية . وقال آخرون : أبدلهما ربهما بغلام مسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج عن أبي جريج فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً قال : كانت أمه حبلى يومئذ بغلام مسلم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة أنه ذكر الغلام الذي قتله الخضر ، فقال : قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ، ولو بقي كان فيه هلاكهما . فليرض امرؤ بقضاء الله ، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب . وقوله : خَيْراً مِنْهُ زَكاةً يقول : خيرا من الغلام الذي قتله صلاحا ودينا ، كما : حدثنا القاسم ، ثنا : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً قال : الإسلام . وقوله : وَأَقْرَبَ رُحْماً اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : معنى ذلك : وأقرب رحمة بوالديه وأبر بهما من المقتول . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة وَأَقْرَبَ رُحْماً أبر بوالديه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سيعد ، عن قتادة وَأَقْرَبَ رُحْماً أي أقرب خيرا . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج